بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المقـدمة:

 

         بعث إلىًّ إمام أحد مساجد قرية طيبة الأحامدة إحدى قرى ضواحي بحري برسالة يطلب فيها مني أن أجيبه على ثلاثة أسئلة

[1]        كيف يكون صدام حسين مهدياً؟

[2]        كيف يكون جورج بوش هو الدجال؟

[3]        كيف أوفق بين التعارض الظاهر في أحاديث الدجال مع عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم  .

         فكتبت هذا المنشور للرد على هذه الأسئلة وأسأل الله العون والسداد وما توفيقي إلاّ بالله إليه أدعوا وإليه مرجعي ومآبي وفي الحقيقة الكلام عن الدجال مشكل ويكفي اعتراف السائل بأن الأحاديث عنه متعارضة في ظاهرها ومما يزيد الأمر إشكالاً هو أن الأحاديث تتكلم عن ثلاثين دجالاً أو يزيدون ولا يعتقد الناس إلاّ في دجال واحد.

[1]       عن سمرة بن جنادة بن جُنْدُب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  كان يقول:

 ) إن الدجال خارج وهو أعور عين الشمال عليها ظفرة غليظة وإنه يبرئ الأكمة والأبرص ويحيي الموتى ويقول: أنا ربكم فمن قال أنت ربي فقد فتن ومن قال: ربي الله حتى يموت فقد عصم من فتنته ، ولا فتنة بعده عليه ولا عذاب ، فيلبث في الأرض ما شاء الله ، ثم يجئ عيسي بن مريم عليه السلام من قبل المغرب مصدقا بمحمد صلى الله عليه وسلم وعلي ملته فيقتل الدجال ثم إنما هو قيام الساعة(. رواه أحمد.

[2]       وروى أحمد عن سفينة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال:

(ألاّ أنه لم يكن نبي قبلي إلاّ حذر أمته الدجال، هو أعور عينه اليسرى بعينه اليمنى ظفرة غليظة).

فالتعارض هذا واضح ظفرة غليظة في العين الشمال وظفرة غليظة في العين اليمين.

[3]       وروى أحمد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :

         (إني خاتم ألف نبي وأكثر، وما بعث نبي يتبع إلاّ وقد حذر أمته الدجال وإني قد بُيِّن لي من أمره ما لم يبين لأحد، إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور وعينه اليسرى كأنها كوكب دري، معه من كل لسان ومعه صورة الجنة خضراء يجري فيها الماء، وصورة النار سوداء تدخن).

         والعور هنا في العين اليمين وقبلها العور في العين الشمال. وأقول بحق أن هذا التعارض الظاهر في الحديث عن الدجال سبب لي مشاكلاً مع المجادلين لأنه أتاح لهم مجالاً واسعاً من الجدل والمراوغة حول إجاباتي في تعريف الدجال. إذ من الصعوبة بمكان أن تنطبق هذه الأحاديث المتعارضة في ظاهرها على شخص واحد متجسدة في صفاته الخَلْقية وهدفهم من وراء ذلك إثبات عدم ظهور الدجال وبالتالي عدم نزول المسيح عيسى ابن مريم وهو المبرر الأول عندهم لتكذيبي. ووجودي في السودان سبب آخر عندهم لتكذيبي لاعتقادهم أن أول نزول للمسيح من السماء الثانية إلى الأرض يكون في المنارة البيضاء شرقي دمشق. وينزل فيها على المهدي والمهدي عندهم لم يظهر بعد وهي ثالثة الأثافي عندهم لتكذيبي.

الفصل الأول

 

المهدي والدجال في المنارة البيضاء شرقي دمشق

 

[4]       عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم 

         (الدَّجال ذات غداة، فخفَّض فيه ورفع، حتى ظنناه في طائفة النخل، فانصرفنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم  ثم رحنا إليه، فعرف ذلك فينا، فقال: ما شأنكم؟ قلنا: يا رسول الله، ذكرت الدَّجال غداة، فخفَّضت فيه ورفّعْت حتى ظنناه في طائفة النخل، فقال: غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، إنه شاب قطن عينه طافية، كأني أشبهه بعبد العُّزى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف.

         إنه خارج خلِّة بين العراق والشام، فعاث يميناً وعاث شمالاً، يا عباد الله فاثبتوا، قلنا: يا رسول الله، وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره، قلنا يا رسول الله: وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث إستدبرته الريح، فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذُرىً، وأصبغه ضروعاً، وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم.

         ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلا ممتلئاً شباباً فيضربه بالسيف، فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه، فيقبل ويتهلل وجهه يضحك.

         فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله.

         ثم يأتي عيسى قوم قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة.

         فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى عليه السلام أني قد أحرجت عباداً لي لا يَدَانِ لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور.

         ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرّةً ماءٌ.

         ويحصر نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدكم اليوم.

         فيرغب نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابه إلى الله تعالى فيرسل عليهم النَّغف في رقابهم فيصبحون فَرْسى كموت نفس واحدة.

         ثم يهبط نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلاً ملأه زهمهم ونَتْنُهُم!.

         فيرغب نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيراً كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله.

         ثم يرسل الله مطراً لا يَكُنُّ منه بيتُ مَدَرٍ ولا وبر فيغسلُ الأرض حتى يتركها كالزَّلَفَةِ.

         ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك وردي بركتك فيومئذ تأكل العصابةُ من الرمانة، ويستظلون بقِحْفِها، ويُبارك في الرِّسْل حتى أن اللَّقْحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس واللَّقْحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس والِلّقْحة من الغنم لتكفي الفَخْذ من الناس.

         فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحاً طيبة فتأخذهم تحت آباطهم، فَتَقْبضُ روح كلّ مؤمن ومسلم ويبقى شرارُ الناس! يتهارجون فيها تهارُجَ الحُمُرِ فعليهم تقوم الساعة). التصريح حديث رقم (5). رواه مسلم واللفظ. ورواه أبو داؤد والترمذي وابن ماجة وأحمد في مسنده والحاكم في المستدرك.

         أقول: الشيء الأهم في الحديث هو معرفة المنارة البيضاء هذه فمن سياق الكلام (شرقي دمشق) أنها خارج حدود مدينة دمشق في اتجاه الشرق وليست هي (المنارة الشرقية بدمشق) التي تحدث عنها ابن كثير وغيره. ولقد لقبت بغداد بهذا اللقب وهي تقع شرقي دمشق قال الشاعر:

بغداد يا بلد الرشيد

ومنارة المجد التليد

         والمجد التليد الذي يعنيه الشاعر هو مجد الإسلام أيام خلافة بني العباس وكانت بغداد منارة العلوم الإسلامية ففي تلك الفترة برز علم تدوين الحديث وتوضيح قواعد اللغة التي ساعدت على حفظ اللغة العربية المرجع الأول لفهم مقاصد التشريع من أصليه الكتاب والسنة.

       ولما كان القرآن نوراً كما قال تعالى: {قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ*يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } (15-16) سورة المائدة.

         فأصبحت بغداد هي بحق وحقيقة (المنارة البيضاء شرقي دمشق) لأن منها شعَّ نور الإسلام.

         إذاً بغداد هي التي ينزل عليها عيسى ابن مريم والحديث لم يصرِّح بنزوله من السماء وإنما قال (على أجنحة ملكين) فلا يعني ذلك بالضرورة أن يكون من السماء بسبب ذكر الملكين فالملائكة تنقل تابوت السكينة من مكان في الأرض إلى آخر قال تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (248) سورة البقرة.

ولما كان الهدف من نزول عيسى في المنارة البيضاء قتل الدّجال ولم يصرح الحديث من اين يجيء، من السماء أم من أي جهة؟ فإن الإجابة على هذا السؤال أجاب عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم  كما جاء في المقدمة (يجئ عيسي ابن مريم عليه السلام من قبل المغرب مصدقا بمحمد صلى الله عليه وسلم وعلي ملته فيقتل الدجال ثم إنما هو قيام الساعة( رواه أحمد.

         مع ملاحظة أن الحديث لم يذكر لعيسى صلاة في المنارة البيضاء وإنما وجد الدجال بعد أن قتل (رجلاً ممتلئاً شباباً فيضربه بالسيف فيقطعه.. ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك). أي تعود إليه الحياة ولمعرفة هوية هذا الرجل الثالث بعد التصريح بذكر الدّجال وابن مريم

[5]       عن عمير بن هانئ العَنَسْيَّ سمعت عبد الله بن عمر يقول: كنا قعوداً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم  فذكر الفتن فأكثر في ذكرها حتى ذكر فتنة الأحلاس فقال قائل: يا رسول الله وما فتنة الأحلاس؟ قال:

)هي حرب وهرب، ثم فتنة السراء دخلها أو دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي يزعم أنه مني وليس مني إنما أوليائي المتقون، ثم يصطلح الناس علي رجل كورك علي ضلع، ثم فتنة الدهيماء لا تدع أحدا من هذه الأمة إلا لطمته حتى إذا قيل انقضت عادت يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا حتى يصير الناس، إلى فسطاطين فسطاط إيمان لا نفاق فيه وفسطاط نفاق لا إيمان فيه فإذا كان ذاكم فانتظروا الدجال من يومه أو من غده( رواه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم ووافق الذهبي.

         هذا الحديث ذكر ثلاثة أشخاص عيّن الدجال وسكت عن الاثنين وهما معلومان من سياق هذا الحديث والذي قبله أحدهما ابن مريم والآخر المهدي وفي هذا الحديث فإن الرجل الذي لا يستقيم له الأمر ومعلوم من سياق الحديث (ثم يصطلح الناس علي رجل كورك علي ضلع) هو الذي يقطعه الدجال بالسيف لأن الدجال يأسره ويسلبه سلطانه. لما كان هذا الوصف مستحيل في حق عيسى الذي يقتل الدجال ويحكم ويستقر له سلطانه بنص حديث ابن ماجة عن أبي إمامة الباهلي قال:

[6]       خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  فكان أكثر خطبته حديثاً حدثناهُ عن الدجال وحذرناه فكان من أقواله:

) العرب يومئذ قليل وجلهم ببيت المقدس وإمامهم رجل صالح فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عيسى ابن مريم الصبح فيرجع ذلك الإمام يَنٌكص، يمشي القَهٌقرَي ليقُدّم عيسى يصلي فيضع عيسى عليه السلام يده بين كَتِفَيه ثم يقول له: تقدَّم فصلِّ فإنها لك أقيمت فيصلي بهم إمامهم فإذا انصرف قال عيسي عليه السلام: افتحوا الباب فيفتح ووراءه الدجال ومعه سبعون ألف يهودي كلهم ذو سيف محلي وساج فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء وينطلق هارباً ويقول عيسي: إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها، فيدركه عند باب اللد الشرقي فيقتله فيهزم الله اليهود فلا يبقى شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي إلاّ أنطق الله ذلك الشيء، لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة إلاّ الغرقدة فإنها من شجرهم لا تنطق- إلاّ قال: يا عبد الله هذا يهودي فتعال أقتله. وإن أيامه أربعون سنة، السنة كنصف السنة، والسنة كالشهر، والشهر كالجمعة وآخر أيامه كالشرره يصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى يمسى.

         فقيل له: يا رسول كيف نصلي في تلك الأيام القصار؟ قال: تقدرون فيها الصلاة كما تقدرونها في هذه الأيام الطوال، ثم صلوا.

         فيكون عيسى ابن مريم في أمتي حكماً عدلاً وإماماً مقسطاً يدق الصليب ويذبح الخنزير ويضع الجزية، ويترك الصدقة، فلا يُسْعَى على شاه ولا بعير وترفع الشحناء والتباغض، وتنزع حُمَةٌ كلّ ذات حُمة حتى يدخل الوليد يده في فيَّ الحية فلا تضره وتفر الوليده الأسد فلا يضرها ويكون الذئب مع الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلاّ الله وتضع الحرب أوزارها وتَسٌلُبُ قريش ملكها

         وتكون الأرض كفاثور، الفضة تنبت نباتها بعهد آدم حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم).

         هذا الحديث يؤكد أن عيسى ابن مريم يملك بعد الدجال وإن وصف الرجل (ثاني أثني) مع عيسى هو الذي ينطبق عليه وصف (يصطلح الناس علي رجل كورك علي ضلع) بالتالي فإن الوصف الآخر (رجل من أهل بيتي) هو عيسى ابن مريم وهذا دليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم  إن عيسى ابن رجل من أهل بيته وكونه هو سليمان أبو القاسم موسى لأنه هو الذي (يزعم إنه مني وليس مني) لأنني أقول أنا من أهل البيت لانني ولدني رجل من آل البيت ولست منهم وذلك لأن ميلاد عيسى للمرة الثانية في هذه الأمة كميلاده الأول في بني إسرائيل لأنه ليس بضعة من أمه الأولى قال تعالى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} (45) سورة آل عمران. وقال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} (171) سورة النساء.

         فالضمير في خلق عيسى في بطن مريم يعود إلى الله (كَلِمَةٍ مِّنْهُ) و(كَلِمَتُهُ) و(رُوحٌ مِّنْهُ) وليس منها بخلاف خلق حواء من آدم قال تعالى:  {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا} (1) سورة النساء.

         فالضمير الخاص بخلق حواء (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) وفي (مِنْهَا) يعود إلى نفس آدم. و(وَبَثَّ مِنْهُمَا) الضمير في (مِنْهُمَا) يعود إلى آدم وحواء معاً فالخلق المذكور يرجع إليهما فالحرف (مِنْ) في آية النساء للتبعيض أي أن حواء بضعة من جسد آدم وروحه والرجال والنساء المذكورون في الآية بضعة منهما.أما (من) الخاصة بتكون عيسى فهي مصدرية لا للتبعيض فلا هو بضعة من الله تعالى الله عن ذلك ولا بضعة من أمه مريم ولا بضعة من والده الذي ينسب إليه  في ميلاده المذكور في حديث أبي داود وأحمد السابق (رجل من أهل بيتي) ولذلك جاء نفي نسب التبعيض فقال (وليس مني) .

         فالميلاد الثاني لعيسى ابن مريم صادر عن الأمر الرباني (كن فيكون) وان ولدته امرأة متزوجة برجل من آل البيت ينسب إليه شرعاً فجاء نسبه (رجل من أهل بيتي) إلا أنه ليس بضعة منه (وليس مني) لأنه روح (منه) والضمير يعود إلى الله بصدور الأمر(كن فيكون) وهو مهدي آل البيت سليمان أبو القاسم موسى وهو ثالث الثلاثة أما الآخر فهو الذي يقتله الدجال ثم يحيه الله وله نفرد الفصل القادم.

الفصل الثاني

 

كيفية إحياء الدجال للموتى

 

[7]       عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :(يخرج الدجال فيتوجه قبله رجل من المؤمنين فتلقاه المسالح مسالح الدجال فيقولون له: أين تعمد؟ فيقول: أعمد إلى هذا الذي خرج قال: فيقول له: أو ما تؤمن بربنا؟ فيقول: ما بربنا خفاء،فيقولون: أقتلوه،فيقول بعضهم لبعض: أليس قد نهاكم ربكم أن تقتلوا أحداً دونه؟ فينطلقون إلى الدجال فإذا رآه المؤمن قال: ياأيها الناس هذا الدجال الذي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال: فيأمر الدجال به فيشج فيقول: خذوه وشجوه فيوسع ظهره وبطنه ضرباً قال فيقول: أوما تؤمن بي؟ قال فيقول أنت المسيح الكذاب، قال: فيؤمر به فينشر بالمنشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه، قال: ثم يمشي الدجال بين القطعتين ثم يقول له: قم فيستوي قائماً قال: ثم يقول له: أتؤمن بي؟ فيقول ما ازددت فيك إلا بصيرة، قال: ثم يقول: يا أيها الناس إنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس مثل الذي فعل بي قال: فيأخذه الدجال ليذبحه فيجعل الله ما بين رقبته إلى ترقوته نحاساً فلا يستطيع إليه سبيلا، قال: فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به فيحسب الناس إنما قذفه إلى النار وإنما القي في الجنة( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين( رواه  مسلم في صحيحه (8/199).

    أقول: إن الموت والحياة بيد الله وأحيانا ًقد يتسبب الإنسان بسبب ظاهر بالتصرف في القتل وأحياناً أخرى يتدخل الإنسان لإنقاذ حياة الإنسان فيسمَّى أحياه بعد موته ومثال ذلك قوله عزّ وجلّ{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا } (32) سورة المائدة وهو ما فعله النمروز في جداله لسيدنا إبراهيم عليه السلام في قصة ذلك الجدل قال عزّ وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} (258) سورة البقرة .

     والسيرة تروي أن قتل النمروز نفساً ولكنه لم يعيدها إلى الحياة ولكنه أتى بشخص آخر وأبقاه حياً مع قدرته على قتله فهو الملك المتصرف في رقاب الناس بلا مساءلة .

    وأما الذي يعيد النفس المقتولة وإحيائها بعد موتها هو الله وحده لا شريك له وهو ما سأل إبراهيم ربه أن يريه ذلك على الرغم من إيمانه بان الله قادر على ذلك قال عزّ وجل :  {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (260) سورة البقرة . فلو قتل الدجال ذلك الرجل المؤمن حتى فرق بين شقيه ومشى بينهما ثم أحياه لكان ذلك مماثلاً لحال الطيور التي فرق إبراهيم بين أشلائها في الجبال ودعاها فتلملمت أطرافها وأعاد الله حياتها وأقبلت سعياً .

         ولما كانت مماثله فعل العباد لفعل رب العباد مستحيلة فإن فعل الدجال يؤخذ بالتشبيه لا بالتحقيق والمماثلة الحرفية ولا أحد في الكون قادر على إحياء الموتى قال تعالى: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ*وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ*وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ*فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ*تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (83ـ87) سورة الواقعة. فالدجال لا يتصرف في إعادة الروح إلى ذلك الرجل بعد أن تصرف في قتله.

         وأما ما حدث لإبراهيم مع الطير وما حدث لعيسى ابن مريم من إحياء الموتى كان ذلك من فعل الله أجراه معجزة على يد عباده المؤمنين فهما على علم أن الفاعل في إعادة الحياة إلى هؤلاء الموتى هو الله على عكس النمروز والدجال. فإذا نفذ الدجال القتل في ذلك الرجل فإن إحياء الله له يكون بالشهادة قال عز وجل: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} (169) سورة آل عمران وإن حياة الشهادة هذه هي التي وردت في نص الحديث (هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين) فالحديث شرح نفسه بنفسه وبشرح الآية فإن حياة ذلك الرجل هي حياة شهادة بسبب أن قتله كان جهاداً في سبيل الله.

الفصل الثالث

من هو الدجال؟ ومن هو المهدي؟

 

         في الرد على سؤال إمام مسجد قرية طيبة الأحامدة: كيف يكون جورج بوش هو الدجال؟ الإجابة: جاء في مجلة الشاهد عدد أبريل 2004م ص72 ما يلي:

         (كيف يمكن مواجهة رجل يدعي إقامة علاقة مباشرة مع الله الكُلِّي القدرة؟ ومع من يعتبر نفسه رسول السماوات إلى الأرض ومن يبشر بقرب الدينونة الأخيرة؟

         وماذا يمكننا القول إذا عرفنا أن هذا الرجل هو رئيس جمهورية الولايات المتحدة؟

         في نهاية شتاء 2003 وقبل بضعة أسابيع من دخول القوات الأمريكية أرض العراق، حاول الرئيس الأمريكي جورج بوش،وللمرة الأخيرة إقناع الرئيس الفرنسي جاك شيراك بالانضمام إلى حملته ضد الإرهاب ذلك إن ما يحاول تحقيقه في بلاد الرافدين أتاه عبر نداء سماوي .. من وحي الهي للقضاء على محور الشر ممثلاً بـ(الدول المارقة) التي وصفها بـ (هاجوج ومأجوج) وهي تفاصيل لم يستوعبها الرئيس شيراك، ما حدا به إلى الاستعانة بأحد مستشاريه الذي التجأ هو الآخر إلى الاتحاد البروتستانتي الفرنسي لاستيضاح المعنى، فتبين له إن كلام الرئيس يتناول (آخر الأزمنة) حسب نبوءة حزقيال، وحين يغزو(هاجوج ومأجوج) إسرائيل من مدينة بابل  وبهذا المعنى فان هاجوج ومأجوج يمثلان قوى الشر وبابل، جارة بغداد، أعيد أحياؤها من قبل صدام حسين. المصدر: أعلاه تحقيق لارا الكجي

         أقول: لقد ادعى جورج بوش كما جاء في المقال (علاقة مباشرة مع الله) (يعتبر نفسه رسول السموات إلى الأرض)أن أمر حربه على المسلمين في بلاد الرافدين لمحاربة صدام حسين (أتاه عبر نداء سماوي من وحي الهي) للقضاء على محور الشر وهي الدول الإسلامية.

         وفي هذه الحالة نحن أمام خيارين لا ثالث لهما أحدهما: أن يكون جورج بوش صادقاً في دعواه وفي هذه الحالة يكون هو المهدي المبشر به في الأديان وفي هذه الحالة اعتقاد ضمني باعتبار دين الإسلام ليس منزلاً من عند الله أي باطلاً.

         وثانيهما: أن يكون جورج بوش كاذباً في دعواه لأنه ادعى النبوءة فهو أحد الدجالين الذين ذكرهم رسول الله في أكثر من حديث صحيح.

[8] في صحيح مسلم حديث أبي قِلاَبة، عن أبي اسماء، عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :

         (إنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم الأنبياء ولا نبي بعدي).

         وإذا انطبق هذا الشرط الثاني علي بوش فإن صدام حسين هو المهدي ضمناً لأنه وقف في وجه التدخل الأمريكي حتى قتل شهيداً. وهو يضحك وقد انطبق عليه قوله صلى الله عليه وسلم  في حديث مسلم السابق عن النواس بن سمعان: (ثم يدعو رجلا ممتلئاً شباباً فيضربه بالسيف، فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه، فيقبل ويتهلل وجهه يضحك). وهذا ما فعله صدام حسين في لحظة إعدامه وانطبق عليه نص الحديث الآتي: 

[9] عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  (المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة واحدة) عقد الدرر حديث رقم 213 أخرجه الإمام أحمد في مسند على بن أبي طالب 2/645 وقال الشيخ أحمد شاكر إسناده صحيح.

         ليس هنالك ما يدل على أن صدام حسين كان مهدياً في فترة حكمه من حيث سيرته في الحكم وخاصة إنه يحكم حكماً علمانياً ولكن ليلة إعدامه واللحظات الأخيرة منها هي التي تؤكد صلاحه وهي التي تؤكد أن وصف هذا الحديث ينطبق عليه.

         وبهذا فإن الدجال هو جورج بوش وإن المهدي هو صدام حسين وعليه فإن الآخر هو المسيح ابن مريم مهدي آل البيت الحق.

 

الفصل الرابع

أيام الدجال والنظرية النسبية

 

         في الرد على سؤال إمام مسجد طيبة الأحامدة: كيف ترد على ما ورد في أحاديث الدجال من تعارض واضح وعصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم  ؟

أقول في الإجابة:

[10]       عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :

(يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين، لا أدري أربعين يوماً أو أربعين شهراً أو أربعين عاماً فيبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة) رواه مسلم 18/75 وأحمد 2/166.

الرسول صلى الله عليه وسلم  قال: (لا أدري) والله سبحانه وتعالى يقول: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} (1) سورة الطلاق فالآية صريحة في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  ليس بالضرورة أن يعلم كل شئ وإنما علمه ربه من علمه ما يشاء وليس بالضرورة أن يحيطه بكل علمه قال تعالى: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء} (255) سورة البقرة و(مِّنْ) للتبعيض فالنبي أو الرسول لا يستطيع أن يجيب على كل سؤال يطرح عليه فما بالكم إذا كان الرجل مهدياً؟ فالأمر أهون من أن يجيب على كل الأسئلة الاستفسارية منها والتعجيزية ومن قبل قال المعاجزون لرسول الله كما رواه عز وجل: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا*وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا*أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا*أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً*أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ} (89-93) سورة الإسراء.

لم يرد الله بالاستجابة لمطالب هؤلاء وقال في الرد: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً} (93) سورة الإسراء. وبين سبب كفرهم فقال عز وجل: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَرًا رَّسُولاً} (94) سورة الإسراء. فهم لا يريدون أن يكون رجلاً من جنسهم يبعث إليهم لأنهم يرون فيه تعالياً عليهم فتأخذهم الغيرة والحسد وهذه المعاني لم ترد هنا صريحة ولكنها مستوحاة من سياق الرد في قوله تعالى: {قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً} (95) سورة الإسراء.

         وبالعودة إلى سؤال إمام المسجد أقول: (لا أدري) حتى لا يقول: أنت تدعي علماً فوق علم رسول الله صلى الله عليه وسلم  وقد قال: (لا أدري) فكيف تدري أنت؟.

         ومع كوني لا أدري إلاّ أن هنالك اضاءات في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم  لها بعض التجليات في واقع الحياة تسمح لنا بفهم تلك الأحاديث ولو من باب الاجتهاد المباح فإن أصبت فلي أجران وإن أخطأت فلي أجر بسبب سلامة القصد وحسن النية بقصد الهداية لا التضليل.    

[11]       روى الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله إنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :

(يخرج الدجال في خفة من الدين وإدبار من العلم وله أربعون ليلة يسيحها في الأرض اليوم منها كالسنة واليوم منها كالشهر واليوم منها كالجمعة ثم سائر أيامه كأيامكم هذه وله حمار يركبه عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعاً فيقول للناس: أنا ربكم وهو أعور  وإن ربكم ليس بأعور مكتوب بين عينيه: ك ف ر، مهجأة يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب يرد كل ماء إلاً المدينة ومكة حرمهما الله تعالى عليه، وقامت الملائكة بأبوابها. ومعه جبال من خبز والناس في جهد إلاّ من تبعه ومعه نهران أنا أعلم بهما منه نهر يقول: الجنة ونهر يقول:النار، فمن أدخل الذي يسميه الجنة فهو النار، ومن أدخل الذي يسميه النار فهو الجنة. ويبعث الله معه شياطين تكلم الناس ومعه فتنة عظيمة: يأمر السماء فتمطر فيما يرى الناس، ويقتل نفساً ثم يحييها فيما يرى الناس، لا يسلط على غيرها من الناس. ويقول: يا أيها الناس هل يفعل مثل هذا إلاّ الرّبُ عزّ وجلّ؟ فيفر المسلمون إلى جبل الدخان بالشام، فيأتيهم فيحاصرهم، فيشتد حصارهم ويَجْهَدهُم جهداً شديداً، ثم ينزل عيسى ابن مريم من السَّحر، فيقول: يا أيها الناس ما يمنعكم أن تخرجوا إلي الكذاب الخبيث؟ فيقولون:هذا رجل جني فينطلقون فإذا هم بعيسى ابن مريم عليه السلام ، فتقام الصلاة فيقال له:تقدم يا روح الله، فيقول: يتقدم إمامكم فليصلي بكم، فاذا صلى صلاة الصبح خرجوا إليه. فحين يراه الكذاب ينماث كما ينماث الملح في الماء، فيمشي إليه فيقتله، حتى أن الشجر والحجر ينادي يا روح الله هذا اليهودي، فلا يترك ممن كان يتبعه أحداً إلاّ قتله). التصريح حديث رقم (31) رواه أحمد وصححه الحاكم في المستدرك.

أقول: حديث مسلم وقد تقدم: قال: (أربعون يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم).

          وفي حديث ابن ماجة وقد تقدم (وإن أيامه أربعون سنة، السنة كنصف السنة، والسنة كالشهر، والشهر كالجمعة وآخر أيامه كالشرره يصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى يمسى).

وفي حديث مسلم وأحمد قال: (فيمكث أربعين، لا أدري أربعين يوماً أو أربعين شهراً أو أربعين عاماً).

ولكن يمكن أن تفسر هذه الأحاديث على هذا النحو:

         إذا ساح الإنسان على الكرة الأرضية فإنه يجد عند القطبين اليوم كسنة لأن اليوم المعلوم هو الجمع بين النهار والليل وعند القطبين النهار ستة أشهر والليل ستة أشهر فيكون اليوم كالسنة وهنا صدق هذا على كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم  .

وفي نفس الوقت إذا كانت السنة إثني عشر شهراً فإن اليوم عند القطبين يساوي ستة أشهر نهاراً وستة أخرى ليلاً وبذلك تكون السنة كاليوم وصدق هذا على كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم   ويتدرج اليوم أو السنة من القطبين في اتجاه المنطقة المدارية حتى يصير اليوم كسائر أيامكم هذه.

         أما عن قوله وآخر أيامه كالشرره تفسرها سرعة حمار الدجال التي يتحرك بها ووصفها (كالغيث) كالسحاب (استدبرته) دفعته من الخلف (الريح) وله أجنحة هي أذنا ذلك الحمار (عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعاً) هي أجنحة الطائرات أو زعانف المركبات الفضائية والدليل على ذلك ذكر (الشرره) التي تشير إلى سير هذه المركبات باحتراق الوقود فإن مكوك الفضاء يستطيع أن يدور دورة كاملة برواده حول الأرض ويقطعون ليلها ونهارها في زمن قصير يقدر بأقل من الزمن الذي يستغرقه السائر راجلاً من باب المدينة إلى بابها الآخر. وهذا التقدير هو جائز من الناحية النظرية ولا أدري إن كان واقعاً عملياً والإجابة متروكة لعلماء الفضاء.

         وأما تقدير الصلاة في الأيام  الطوال والقصار فإن ذلك محكوم بخطوط الطول التي تحكم زمن العبادات في المناطق المدارية يتقيد بها خارج المناطق المدارية التي يتطاول فيها الليل والنهار إلى أن يصل كل منهما أقصى مداه عند القطبين ستة أشهر ليلاً وستة أشهر أخرى نهاراً هي مجموع الأثني عشر شهراً عدد شهور السنة كاملة مختصرة في ليلة ونهارها وهو معنى (يوم كسنة) و(السنة كاليوم) فالرسول صلى الله عليه وسلم  في كلامه عن أيام الدجال يتكلم عن النظرية النسبية.

ملاحظة: ادعاء الدجال الإلوهية والربوبية ليس بالضرورة أن يتلفظ بهما سراً أو جهراً وإنما تعلم بأفعاله التي تخالف التنزيل ويحمل الناس علي تنفيذها. فكل من أطاع مخلوقاً في معصية الخالق فقد اتخذه إلهاً. ويبين هذا المعني قولة عز وجل: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} (23) سورة الجاثية فالهوى يكون إلهاً إذا انساق النفس وراء رغباته في غير مرضات الله. وإن كان الشخص لا يعتقد في تأليه نفسه واعتقاده بأنه مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله.   

الفصل الخامس

هلاك الدجال عند عقبة أفيق

 

[12]       عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

         (أنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران أحدهما: نار تأجج  في عين من رآه والآخر ماء أبيض، فإن أدركه أحد منكم فليغمض وليشرب من الذي يراه ناراً فإنه ماء بارد وإياكم والآخر فإنه فتنة. وأعلموا أنه: مكتوب بين عينيه (كافر) يقرأه من يكتب ولا يكتب، وإن إحدى عينيه ممسوحة عليها ظفرة وإنه يَطْلُعُ من آخر أمره على بطن الأردن على ثنية أفيق وكل واحد يؤمن بالله واليوم الآخر ببطن الأردن وإنه يقتل من المسلمين ثلثاً ويهزم ثُلُثاً ويبقي ثلثاً ويجن عليهم الليل فيقول بعض المؤمنين لبعض: ما تنتظرون أن تلحقوا بإخوانكم في مرضاة ربكم؟ من كان عنده فضل طعام فليعد به على أخيه، صلوا حين ينفجر الفجر، وعجلوا الصلاة ثم أقبلوا على عدوكم فلما قاموا يصلون نزل عيسى ابن مريم عليه السلام أمامهم فصلى بهم، فلما انصرف قال: هكذا أفرجوا بيني وبين عدو الله، قال أبو حازم: قال أبو هريرة رضي الله عنه: فيذوب كما تذوب الإهالة في الشمس. وقال عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: كما يذوب الملح في الماء ويسلط الله عليهم المسلمين فيقتلونهم، حتى إنّ الشجر والحجر لينادي: يا عبد الله يا عبد الرحمن، يا مسلم هذا يهودي فأقتله فيفنيهم الله تعالى ويظهر المسلمون. فيكسرون الصليب ويقتلون الخنزير ويضعون الجزية. فبينما هم كذلك إذ أخرج الله يأجوج ومأجوج فيشرب أولهم البحيرة ويجئ آخرهم وقد انتشفوه فما يَدَعُون منه قطرة فيقولون: قد كان هاهنا أثر ماء. فيجئ نبي الله وأصحابه وراءه حتى يدخلوا مدينة من مدائن فِلسْطين يقال لها: لُدُّ. فيقولون(يأجوج ومأجوج): ظهرنا على من في الأرض فتعالوا نقاتل من في السماء فيدعو الله نبيهُ عند ذلك، فيبعث الله قرحةً في حلوقهم، فلا يبقى منهم بشر فتؤذي ريحهم المسلمين، فيدعو عيسى صلوات الله عليه وسلامه عليهم فيرسل الله عليهم ريحاً فتقذفهم في البحر أجمعين) التصريح حديث رقم (36) أخرجه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم. 

[13]       وعن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال:

         (ألاّ إنه لم يكن نبي قبلي إلاّ وقد حذر أمته الدجال، هو أعور عينه اليسرى، بعينه اليمنى ظفرة غليظة، مكتوب بين عينيه: (كافر) يخرج معه وأديان: أحدهما جنة والآخر نار. فناره جنة وجنته نار. معه ملكان من الملائكة يشبهان نبين من الأنبياء لو شئت سميتهما بأسمائهما وأسماء آبائهما، واحد منهما عن يمنيه والآخر عن شماله، وذلك فتنة. فيقول الدجال: ألست بربكم؟ ألست أحي وأميت؟ فيقول له أحد الملكين: كذبت، ما يسمعه أحد من الناس إلاّ صاحبه، فيقول له: صدقت، فَيَسْمَعُهُ الناس فيظنون إنما يصدق الدجال وذلك فتنة. ثم يسير حتى يأتي المدينة فلا يؤذن له فيها فيقول: هذه قرية ذلك الرجل (سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم  ) ثم يسير حتى يأتي الشام فينزل عيسى عليه السلام فيقتله عند عقبة أفيق) التصريح حديث رقم (35) رواه أحمد بسند حسن.

         هذان الحديثان يعاضد أحدهما الآخر ويثبتان ظهور الدجال على عقبة أفيق ونزول المسيح ابن مريم بها وقتله الدجال فيها.

         وفي حديث مسلم نزول المسيح في المنارة البيضاء وقتله الدجال في الّلد وفي حديث ابن ماجة حصار الدجال للمسلمين في القدس ونزول المسيح ابن مريم عليهم بها والصلاة خلف إمام القدس وفي حديث أحمد حصار الدجال للمسلمين في جبل الدخان بالشام ونزول المسيح ابن مريم في الجبل وصلاته خلف إمام المسلمين في جبل الدخان.

         والمخرج من هذا التناقض إذا حملنا الأحاديث على ظاهرها كما يطالبني الناس فإن المسيح ابن مريم عند ظهوره يقاتل أكثر من دجال فالدجالون كثيرون نحو ثلاثين دجالاً.

         وبما أن كل من صلى خلفه عيسى ابن مريم من جماعة المسلمين المحاصرين من قبل الدجال هو المهدي عند المسلمين فإن عيسى ابن مريم يجتمع بأكثر من مهدي كما هو معلوم من ظاهر النصوص.

         ولكن المطلوب تعين واحد من المهديين أو واحد من الدجالين أو المسيح ابن مريم بدلالة ظاهرة غير قابلة للشك ليكون هو دليل على الآخَرين.

 

الخــاتمة:

         لا بد من التعرف على أحد الثلاثة – المهدي – الدجال – المسيح ابن مريم- ليكون مفتاحاً لمعرفة الآخرين. والمدخل لذلك إدعاء جورج بوش التكليف من الله فقد أوردت صحيفة الصحافة مقالاً عن لقاء شعث بالرئيس بوش جاء فيه:

(إن ما يحركني هو تكليف من الله، كان الله يقول لي: جورج أذهب وحارب أُولئك الإرهابيين في أفغانستان وقد فعلت . ثم قال لي الله:جورج ،أذهب وانه الطغيان في العراق وقد فعلت، والآن مرة أخرى، اشعر بكلمات الله  وهي تصل إليّ، أذهب وأعط الفلسطينيين دولتهم وأحصل للإسرائيليين علي أمنهم وحقق السلام في الشرق الأوسط، وأقسم بالله إنني سأفعل ذلك)المصدر: صحيفة الصحافة السبت 5 رمضان 1426هـ الموافق 8أكتوبر 2005م الصفحة الأخيرة.

         أقول: كلام الرئيس الأمريكي جورج بوش واضح وصريح بأن ما فعله من تدمير وإزالة دولة طالبان الأفغانية التي كانت تجتهد في تطبيق الشريعة الإسلامية بتكليف مباشر من الله.

         فنحن هنا أمام خيارين فإن كان صادقاً فإن ذلك يعني بطلان الإسلام وإلاّ فكيف يأمر الله جورج بوش النصراني المتهود أن يقاتل الدولة التي تجتهد في تطبيق الشريعة الإسلامية ويترك الدول الأخرى العلمانية المجوسية؟!

         وإن كان كاذباً في دعواه فهو ادعاء للنبوءة فهو أحد الدجالين الثلاثين. وأظن لا يخالف أحد هذا الاعتقاد إلاّ من اتخذ غير الإسلام ديناً.

فجورج بوش يفك لنا (شفرة) حديث فتنة الأحلاس.

         (رجل من أهل بيتي يزعم أنه مني وليس مني) إنه المسيح عيسى ابن مريم وهو شخص سليمان أبي القاسم الذي يزعم هذا الزعم.

         (ثم يصطلح الناس علي رجل كورك علي ضلع) وهو صدام حسين الذي أزال جورج بوش سلطانه وقتله وهو يضحك.

         (فإذا كان ذاكم فانتظروا الدجال من يومه أو من غده) إنه الدجال وهو جورج بوش الابن بادعائه الواضح والصريح في أن حربه ضد المسلمين كانت بتكليف مباشر من الله.

         وهذا لا ينافي وجود مهديين غير صدام حسين ووجود دجالين غير جورج بوش وأما المسيح ابن مريم فهو واحد لا يتكرر وهو سليمان أبو القاسم وإنما تكررت ولادته في هذه الأمة في السودان ويتكرر نزوله بالتنقل في جيوش المسلمين لقتال الدجالين دفاعاً عن الإسلام وعباد الله الصالحين لإزالة ظلم الجبارين وإقامة دولة الإسلام الدين الحق لتنعم الأرض بعدالة الإسلام فيعم السلام.